ابن الجوزي
512
كتاب ذم الهوى
لقيتك في هذا الأمر بنفسي ، لمعرفتي أنّ القليل من هذا عند الناس كثير ، وأنتم معاشر العبّاد في مثال القوارير أدنى شيء يعيبه ، وجملة ما أكلمك به أن جوارحي كلها مشغولة بك ، فاللّه في أمري وأمرك . قال : فمضى الشاب إلى منزله ، وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي ، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ، ثم خرج من منزله ، فإذا بالمرأة واقفة في موضعها . فألقى إليها الكتاب ورجع إلى منزله . وكان الكتاب : بسم اللّه الرحمن الرحيم . اعلمي أيتها المرأة ، أن اللّه تبارك وتعالى إذا عصي حلم ، فإذا عاود العبد المعصية ستره ، فإذا لبس لها ملابسها غضب اللّه عز وجل لنفسه غضبة تضيق منها السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب ، فمن ذا يطيق غضبه ! . فإن كان ما ذكرت باطلا ، فإني أذكّرك يوما تكون السماء كالمهل ، وتصير الجبال كالعهن ، وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم . وإني واللّه قد ضعفت عن إصلاح نفسي ، فكيف بإصلاح غيري ! . وإن كان ما ذكرت حقا ، فإني أدلّك على طبيب هو أولى بالكلوم الممرضة والأوجاع المرمضة ، ذلك اللّه رب العالمين ، فاقصديه على صدق المسألة ، فإني متشاغل عنك بقوله عز وجل : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ ( 18 ) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ ( 19 ) [ غافر ] . فأين المهرب من هذه الآية ! . ثم جاءت بعد ذلك بأيام ، فوقفت له على طريقه ، فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها . فقالت : يا فتى لا ترجع ، فلا كان الملتقى بعد هذا أبدا إلّا بين يدي اللّه عز وجل ! . وبكت بكاء كثيرا ، ثم قالت : أسأل اللّه عز وجل الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهّل ما قد عسر من أمرك . ثم تبعته فقالت : امنن عليّ بموعظة أحملها عنك ، وأوصني بوصية أعمل عليها . فقال لها الفتى : أوصيك بحفظ نفسك من نفسك ، وأذكّرك قوله عز وجل : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ